·لإزالة الألغام من أمام العمل الإسلامي وحل المغاليق الاستراتيجية حتى لا تكون حركته في طريق مسدود أو حركة في المحل لا تستهدف أهدافًا وغايات استراتيجية ممكنة التحقيق.
·اكتساب الخبرة ومعايشة الأحداث.
رابعًـا: اجتياز الهوة الحضارية علميًا وتقنيًا وإداريًا واقتصاديًا واستراتيجيًا... إلخ. على جميع الأصعدة.
خامسًـا: الخروج بالأمة من هيمنة الأنظمة العلمانية.
سادسًـا: إيجاد المشروع الحضاري الإسلامي والخروج بالإسلام دوليًا من هيمنة الصليبية الدولية والصهيونية الدولية.
سابعًـا: العودة إلى الإسلام الصحيح كشرعيات مستقرة ـ وليس كشرعيات ضرورة ـ خلافة راشدة على منهاج النبوة.
ونشير هنا باختصار إلى الانحراف والخلل التاريخي في المفاهيم والتوجهات الإسلامية تاريخيًا في مجال التوحيد والعقيدة وأنظمة وسياسات الحكم، وإلى ضرورة تصحيح هذه المفاهيم والتوجهات في واقعنا هذا المعاصر وهو أحد أهداف حركة الإحياء والبعث الإسلامي المعاصرة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن الخلل والانحراف في مفاهيم العقيدة وأنظمة وسياسات الحكم([1]): «ومن أعظم أسباب بدع المتكلمين من الجهمية وغيرهم قصورهم في مناظرة الكفار والمشركين فإنهم يناظرونهم ويحاجونهم بغير الحق والعدل لينصروا الإسلام ـ زعموا بذلك ـ فيسقط عليهم أولئك لما فيهم من الجهل والظلم ويحاجونهم بممانعات ومعارضات فيحتاجون حينئذ إلى جحد طائفة من الحق الذي جاء به الرسول والظلم والعدوان لإخوانهم المؤمنين بما استظهر عليهم أولئك المشركون فصار قولهم مشتملاً على إيمان وكفر وهدى وضلال ورشد وغيّ وجمعٌ بين النقيضين وصاروا مخالفين للكفار والمؤمنين كالذين يقاتلون الكفار والمؤمنين. ومثلهم في ذلك مثل من فرَّط في طاعة الله وطاعة رسوله من ملوك النواحي والأطراف حتى يسلط عليهم العدو تحقيقًا لقوله: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا( ([2])،يقاتلون العدو قتالاً مشتملاً على معصية الله من الغدر والمثلة والغلول والعدوان حتى احتاجوا في مقاتلة ذلك العدو إلى العدوان على إخوانهم المؤمنين والاستيلاء على نفوسهم وأموالهم وبلادهم وصاروا يقاتلون إخوانهم المؤمنين بنوع مما كانوا يقاتلون به المشركين وربما رأوا قتال المسلمين آكد. وبهذا وصف النبيُّ صلي الله عليه وسلم الخوارج حيث قال: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» وهذا موجود في سيرة كثير من ملوك الأعاجم وغيرهم وكثير من أهل البدع وأهل الفجور. فحال أهل الأيدي والقتال يشبه حال أهل الألسنة والجدال». أهـ.
ويقـول عن الخلل في مفهوم التوحيد عند طوائف المتكلمين والصوفية ـ ممن تصدوا للتوجيه الإسلامي منذ قرون طويلة ومازالت لهم السيطرة على التوجيـه الديني حتى الآن ـ يقـول: وقد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام ومن أهل الإرادة والعبادة حتى قلبوا حقيقته في نفوسهم، فطائفة ظنت أن التوحيد هو نفي الصفات بل نفي الأسماء الحسنى أيضًا سمُّوا أنفسهم أهل التوحيد.
إلى أن يقول: وطائفة ظنُّوا أن التوحيد ليس إلا الإقرار بتوحيد الربوبية وأن الله خالقُ كلِّ شيءٍ. إلى أن يقول: وهذا التوحيد هو من التوحيد الواجب لكن لا يحصل به كل الواجب ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر الذي لا يغفره الله بل لابد أن يُخلص لله الدين والعبادة فلا يعبد إلا إياه ولا يعبده إلا بما شرع فيكون دينه كله لله. والإله: هو المألوه الذي تألهه القلوب فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد.
إلى أن يقول: ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق التوحيد على طريقة أهل التصوف ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، وأنه إذا شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولم يفرقوا بين مشيئته الشاملة لجميع المخلوقات وبين محبته ورضاه المختص بالطاعات وبين كلماته الكونيات التي لا يجاوزهنَّ برٌّ ولا فاجرٌ لشمول القدرة لكل مخلوق وكلماته الدينيات التي اختص بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه فالعبد مع شهوده الربوبية العامة الشاملة للمؤمن والكافر والبر والفاجر عليه أن يشهد ألوهيته التي اختص بها عباده المؤمنين الذين عبدوه وأطاعوا أمره واتبعوا رسله.
ومن لم يفرق بين أولياء الله وأعدائه وبين ما أمر به وأوجبه من الإيمان والأعمال الصالحات وبين ما كرهه ونهى عنه وأبغضه من الكفر والفسوق والعصيان مع شمول قدرته ومشيئته وخلقه لكل شيء وإلا وقع في دين المشركين الذين قالوا: ( لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء )([3])،والقدر يؤمَن به ولا يُحتجُّ به بل العبد مأمور أن يرجع إلى القدر عند المصائب ويستغفر الله عند الذنوب والمعايب.
إلى أن يقول: ثمَّ إنَّ أولئك المبتدعين الذين أدخلوا في التوحيد نفي الصفات وهؤلاء الذين أخرجوا عنـه متابعة الأمر([4])ـ إذا حققوا القولين انتهى بهم الأمر إلى أن لا يفرقوا بين الخالق والمخلوق بل يقولون بوحدة الوجود، كما قاله أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والإتحاد الذين يعظمون الأصنام وعابديها وفرعون وهامان وقومهما ويجعلون وجود خالق السموات والأرض هو وجود كل شيء من الموجودات ويدعون التوحيد والتحقيق والعرفان وهم من أعظم أهل الشرك والتلبيس والبهتان يقول عارفهم ـ السالك في أول أمره يفرق بين الطاعة والمعصية ـ أي: نظرًا إلى الأمر ـ ثم يرى طاعة بلا معصية ـ أي نظرًا إلى القدر ـ ثم لا طاعة ولا معصية ـ أي نظرًا أن الوجود واحد.
إلى أن يقول: ومن أحكم الأصلين في الصفات والخلق والأمر فيميز بين المأثور المحبوب المرضي لله وبين غيره مع شمول القدر لهما وأثبت للخالق سبحانه الصفات التي توجب مباينته للمخلوقات وأنه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته أثبت التوحيد الذي بعث اللهُ به رسله وأنزل كتبه كما نبَّه على ذلك في سورتي الإخلاص: ”قل هو الله أحد“ و”قل يا أيها الكافرون“.
إلى أن يقول: وسورة ”قل هو الله أحد“: فيها التوحيد القولي العلمي الذي تدل عليه الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ{1} اللَّهُ الصَّمَدُ{2} لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ{3} وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ{4} ) ([5])، وسورة ”قل يا أيها الكافرون“: فيها التوحيد القصدي العملي كما قال تعالى: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ( ([6])، وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره وإن كان كل واحد منهما يقر بأن الله ربّ كل شيء ومليكه ويتميز عباد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه ممن عبدوا غيره وأشركوا به أو نظروا إلى القدر الشامل في كل شيء فسووا بين المؤمنين والكفار كما يفعل المشركون من العرب ولهذا قال النبيُّ صلي الله عليه وسلم: «إنها براءة من الشرك».
ويقول شيخ الإسلام([7]): «والإله هو المستحق للعبادة، فأما من اعتقد في الله أنه ربّ كل شيء وخالقه وهو مع هذا يعبد غيره فإنه مشرك بربِّه متخذ من دونه إلهًا آخر، فليست الإلهية هي: الخلق أو القدرة على الخلق أو القدم كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربّه، فلو كان هذا هو الإلهية لكانوا قائلين: أنه لا إله إلا هو. فهذا موضع عظيم جدًا ينبغي معرفته لما قد لُبس على طوائف من الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركًا، وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنُّوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنُّوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك، بل التوحيد الذي لابد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد وهو توحيد العبادة وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه وهذا هو الإسلام فإن الإسلام يتضمن أصلين: أحدهما: الاستسلام لله. والثاني: أن يكون ذلك له سالمًا فلا يشركه أحد في الإسلام له، وهذا هو الاستسلام لله دون ما سواه.
وسورة ”قل يا أيها الكافرون“: تفسر ذلك ولا ريب أن العمل والقصد مسبوق بالعلم، فلابد أن يعلم ويشهد أن لا إله إلا الله. وأما التوحيد القولي الذي هو الخبر عن الله ففي ”سورة الإخلاص“، التي تعدل ثلث القرآن وفيها اسمه الأحد الصمد، وكل من هذين الاسمين يدل على نقيض مذهب هؤلاء الجهمية». أهـ.
([1]) الرسالة التسعينية، الفتاوى الكبرى، جـ5، ص 38.
([2]) سورة آل عمران،الآية: 155.
([3]) سورة النحل،الآية: 35.
([4]) الإتباع.
([5]) سورة الإخلاص.
([6]) سورة الكافرون، الآيتان: 1-2.
([7]) الرسالة التسعينية، الفتاوى الكبرى، جـ5، ص250-251.