العقد القادم، اشداء على الكفار، رحماء بينهم

 قال تعالى "وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون"

عندما انطلقت الثورة، بعيد انطلاق ثورات الربيع العربي، لم يدر في خلد احد من الشعب السوري، ان التواطؤ الدولي والتآمر، والتخاذل سيبلغ ما قد بلغ حتى الساعة.

لقد رأى اهل الشام، ان العالم ساند كل الشعوب الثائرة، بل لقد رأى انه قد تخلى عن مبارك، خادمه الامين، وحارس حصار غزة.

وانطلقت ثورتهم، فووجهت منذ البدايات بالرصاص، فكان ثائروها لا يخرجون الى مظاهرة قبل صلاة ركعتين على نية الشهادة.

لقد صور الله لاهل الشام، بيضة الاسلام، ان الثورة قد تكون هينة، وانها اشهر معدودة ويسقط النظام. كما ان النظام قد اعمى الله بصيرته بالغرور وجنون العظمة، فحسب ان القتل والجر الى العصبية الطائفية، واهانة الشعب، وذبحه، سينهي الثورة. فنشأ تفاعل بين التوق الى الحرية من جانب الشعب، مع قتل ممنهج، واذلال من جانب النظام مما كان نتيجته اشتداد عصب الثورة، ومزيد من تأييد الحاضنة الاجتماعية لابنائها ضد اجرام النظام الذي لم يفرق عند القتل بين ناشط او غيره.

ومن حكمة الله ان الاجرام قد تطور بشكل تدريجي، على جرعات، مما مكن الثورة من استيعاب الضربات، واكتساب مزيد من المناعة، "فالضربة التي لا تقسم الظهر تقويه".

ولم تصدق الثورة في البدايات نفسها عندما بدأت تربح دبابات بعد ان تحرقها فقط، ولاتسعى الى امتلاكها، ومع ربح الدبابات اصبح لديها صواريخ، وتشكيلات متخصصة، ونواة  صلبة لجيش وطني قادم بإذن الله.

ومع كل تطور، يزداد التواطؤ، فيزداد يقين الثورة بأنه لا ناصر ولا معين الا الله. ومع كل خفوت للنظام يكشف التحالف الطائفي عن مزيد من اعتلالاته الفكرية، وامراضه النفسية ضد الامة، في لحظة تاريخية كاشفة للخوافي الباطنية، خفايا لم تظهر بهذا الشكل منذ عدة قرون. لدرجة ان احدنا عندما كان يقرأ فتاوى ابن تيمية كان يعتقد احيانا ان بها تشددا، او نوعا من المبالغة في تصوير من وصفهم رب العزة في كتابه: "هم العدو فاحذرهم". لكن الثورة افصحت ان كل شدة ابن تيمية كان بها نوعا من الرأفة الانسانية مع نفوس ارتدت تحت مستوى الحيوانية في اقسى لحظات جوعها وانتقامها.

ثم توالى تقديم الشهداء، ايضا بشكل تدريجي، حصن النفس الانسانية من الانهيار، فغدت قاعدة الثورة صلبة عصية على الكسر او الهدم، وباتت دوامة بحرية قادرة على ابتلاع كل من تسول له نفسه معاكسة جريانها.

وكأن الله يريد لهذه الثورة، الشوكة الحقيقية، وكأنها مفتاح التغيير للتاريخ القادم، حيث لم يختر شعبها ذلك، ولم يحسب يوما انه قادر على هضم كل الالام، وتجاوزها، بل لم يكن ليصدق ان كل هذه البراكين من البطولة خامدة بين ثناياه.

بل ان من اختار هو الله، والله يختار من عباده الاخيار للمداولة  ليحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.

طريق لم تختره الثورة بإرادتها، بل ساقها الله إليها بمكر عدو، وعناية قوي عزيز . وإنه لطريق صعب، شائك، نهايته نصر كبير، لكنه نصر يؤسس لمرحلة قادمة ترسم لأمة بوجه آخر، حيث إن هذه المرحلة قد صقلت النفوس، وزرعت فيها مناعة ضد الحزن، أو الفقدان او الخوف، منبتتة نشأ جديدا من نوع "اشداء على الكفار رحماء بينهم".


المصدر:

المختصر

تعليقات