قراءة في مداولات مجلس الأمن

كثيراً ما عبّر الوفاق والتنازع في مجلس الأمن على ما بين الدول الكبرى من وفاق وتنازع. بل أن اختراع مجلس الأمن مؤسّسة ضمن هيئة الأمم المتحدة عكس التوازن قام بين الدول الكبرى التي انتصرت على دول المحور النازي. فمن جهة اتجّه إلى تكريس هيمنة أرادتها الدول الكبرى على المستوى العالمي، وعبّر من جهة أخرى عن توازن حسّاس مستقبلاً، ما بين أميركا وبريطانيا وفرنسا والصين والإتحاد السوفياتي حق النقض (الفيتو)، تمارسه كل منها، ولو منفردة، لتعطيل قرار يحظى بموافقة الدول الأخرى، أو أغلبية الثلثين بعد إضافة تسع دول غير دائمة العضوية إليه (دورياً بين الدول أعضاء الجمعية العامّة).

لقد طمأن حق الفيتو الدول الكبرى بأنها في مأمن من تشكّل "شرعية" تبيح استخدام القوّة والعقوبات باسم مجلس الأمن ضدّها منفردة، أو ضدّ أي من حلفائها كذلك. وقد أمكن له أن يعبر مرحلة الحرب الباردة بما يرضي الدول الكبرى وهي متنازعة إلى حد الوقوف على حافة هاوية المواجهة والحرب، كما وقف سدّاً منيعاً ضدّ أغلبية أعضاء هيئة الأمم المتحدة، لا سيما بعد أن تشكلت كتلة عدم الإنحياز.

أما في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة ونشوء وضع عالمي أوحى كأن أميركا أصبحت القوّة المهيمنة على الدول الكبرى الأخرى ظنّ البعض أن عهد قرارات الفيتو انتهت وغدت من الماضي. ولكن هذا التقدير سرعان ما أخذ يتبدّد مع تراجع أميركا في ميزان القوى، ومع استعادة عدد من الدول الكبرى مكانتها مرّة أخرى. وإذا بحق الفيتو يعود مرّة أخرى ليستخدم في صراع الدول الكبرى في ما بينها، كما لعقد المساومات والصفقات إذا ما توفرّت ظروف ذلك.

إن الموقف المبدئي الذي تبنّته دول العالم الثالث في مرحلة منظمة دول حركة عدم الإنحياز كان رفض الطريقة التي تشكل بها مجلس الأمن والإعتراض على حق الفيتو وعلى ما يمتلكه من صلاحيات، تجعل قبضة من الدول تتحكم في قرارات دولية إلزامية تؤخذ على أساس البند السابع، أو تعطّل، منفردة، توصيات صادرة عن الجمعية العامة بغالبية دول العالم. ولهذا كانت مطالبة بتغيير وضعية مجلس الأمن وصلاحياته من حيث أتى. ولكن الفيتو كان بانتظار توصية بهذا المعنى تصدر عن الجمعية العامة.

بعد انتهاء الحرب الباردة وما أصاب حركة دول عدم الإنحياز من شلل وتفكك عادت بعض الدول الكبرى تطالب أن يوسّع حق الفيتو ليشملها، ولتصبح عضواً دائماً في مجلس الأمن. وكان من بين من طالب بذلك إلمانيا والهند واليابان ومجموعات إقليمية أخرى. وهو ما فشل أيضاً، علماً أنه لا يشكل بديلاً عادلاً لوضع ظالم.

المهم عاد مجلس الأمن يعكس ما نشأ من تطورات جديدة في علاقات كل من روسيا والصين بأميركا وفرنسا وبريطانيا، كما مواقف بعض الأقطاب الإقليمية. حين تكون من بين الأعضاء غير دائمي العضوية. وهو ما يفترض من حيث المبدأ عدم اللجوء إلى مجلس الأمن. لأن من الخطأ استدعاء تدخل الدول الكبرى لتقرير مصير بلد عربي أو إسلامي أو عالم ثالثي سواء أكان التدخل عسكرياً أم غير ذلك.

الأنظار كلها انشدت إلى مجلس الأمن يوم 1/2/2012 وهو يناقش مشروع القرار الذي تقدّم به المغرب نيابة عن الجامعة العربية في ما يخصّ الوضع في سورية.

تصدّت روسيا، بصورة خاصة، لمشروع القرار فيما اندفعت أميركا وبريطانيا وفرنسا لدعمه جملة وتفصيلا. أما مداخلات الأعضاء الآخرين فقد تفاوتت في مواقفها من مشروع القرار ما بين مؤيد ومتحفظ. ولا ضرورة للتفاصيل لأنها قابلة للتغيير بين لحظة وأخرى.

الروس وضعوا الفيتو على الطاولة ما لم يتغير مشروع القرار ويأخذ بالملاحظات التي عبّر عنها الخطاب الروسي في جلسة الإفتتاح. الأمر الذي حوّل الاتجاه العام في مجلس الأمن إلى البحث عن حل وسط وليس الدخول في مواجهة مع الفيتو.

المهم أن تلحظ عدّة حقائق هنا لا علاقة لها بمشروع القرار. وهذه الحقائق تكشف عن سمات جديدة في الوضع الدولي، ولا سيما العلاقات بين كل من روسيا والصين من جهة بأميركا وأوروبا من جهة ثانية.

روسيا، ولأول مرّة، خارج قضايا تمسّ أمنها القومي المباشر مثل قضية جورجيا وأبخازيا، لم تظهر بمثل هذا التحدي لأميركا وأوروبا. وفي المقابل لم يسبق لأميركا وبريطانيا وفرنسا أن كانت على مثل هذا الضعف في مواجهة روسيا. وهو ضعف يخفي عدم قدرة على ممارسة الضغوط كما عدم قدرة على عقد صفقة في مجال خارج مجال المشروع العربي من أجل تمريره.

صحيح أن الصين، في هذه المرّة، لم تهدّد بفيتو صيني-روسي مشترك، كما حصل سابقاً. ولكن موقفها يظل في الإطار الروسي نفسه من حيث الجوهر.

إدارة أوباما، المتخبطة بسياساتها دائماً، فتحت معركة مع بوتين قبل أن يترشح للرئاسة، اتهمته بالتزوير، وهي تحرض على نتائج الإنتخابات البرلمانية التي أمّن فيها نجاحاً لحزبه ولو بشق النفس. وهذه مسألة تضرب في العمود الفقري. ولا علاقة لها في ما تدّعيه من حرص على الديمقراطية والشفافية. ففتح المعركة مع بوتين مسألة استراتيجية تتعلق بأولويات الإستراتيجية الأميركية للمرحلة القادمة، وهي إيصال رئيس ضعيف لروسيا من أجل تحقيق هدف تفكيكها وإعادتها إلى مرحلة يالتسين.

فأميركا، كما هو تاريخها، بلا حالة شاذة واحدة، لا تهمها الديمقراطية ولا الشفافية ولا الإنتخابات النزيهة قيد أنملة. فهذه بالنسبة إليها أدوات صراع وليست موقفاً مبدئياً أو ثابتاً. فلكَم أطاحت بانتخابات نزيهة، وكم دعمت انتخابات مزوّرة من رأسها إلى أساسها، فتاريخها تاريخ دعم للدكتاتوريات والفساد، وإذا أيّدت انتخابات جاءت بمؤيدّين لها فلا علاقة لذلك بموضوعيْ النزاهة والشفافية، وإذا لم تعترض على انتخابات جاءت بمن تعتبرهم من خصومها، أو من لم تثق بهم بعد، لا يكون ذلك إلاّ خداعاً بهدف الالتفاف والإختراق ولا علاقة له بنزاهة أو شفافية.

من هنا يحب أن تقرأ المعركة التي فتحتها أميركا على بوتين بحجة الإنتخابات النزيهة أو الشفافية أو عدم جواز أن يعود إلى الرئاسة مرّة أخرى بعد رئاسة ميدفيديف. الأمر الذي أفقدها القدرة على مواجهة الموقف الروسي إلاّ من خلال آخرين، وعبر استعداد لقبول الشروط الروسية، بشكل أو بآخر. وهذا تحت كل الإعتبارات ليس من عادتها إنها حالة الضعف والتردّد والإرتباك.

أما في موضوع الصين فإدارة أوباما متورّطة في نقل أولوية استراتيجيتها إلى المحيط الهادئ أي التهيئة لمحاصرة الصين، وتحريك المشاكل من حولها وداخلها. ولهذا فقدت أميركا أي سلاح في مناقشة الصين عدا تحريض الآخرين ليفعلوا بدلاً منها. وهذا ليس عادتها من قبل.

أما بالنسبة إلى تصريح وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون: "… أعلم أن بعض الأعضاء متخوفون من أننا نتجه إلى ليبيا أخرى. هذه مقارنة خاطئة. إن سورية هي حالة فريدة وتحتاج إلى مقاربتها الخاصة وهذا ما اقترحته جامعة الدول العربية". السؤال لماذا هذا التصريح الآن بعد أن تركت باب التدخل العسكري مفتوحاً أو موارباً طوال الوقت، ومن دون أن يكون التدخل العسكري وارداً بالنسبة إليها؟ الجواب باختصار بسيط هو الخداع. والهدف هو الذهاب بالصراع إلى حدوده التي وصلها الآن.

إن صوْغ السياسات الأميركية بهذه الطريقة لم تعهدها التجربة مع أميركا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى إدارة أوباما-هيلاري كلينتون. وهذا طبيعي بالنسبة إلى إدارة أميركية ورثت هزائم عسكرية في العراق وأفغانستان وفي جنوبي لبنان وقطاع غزة، ووقعت في براثن أزمة مالية كادت تودي بها إلى إعلان الإفلاس. وأخذت الدول الكبرى الأخرى تعاملها بخطاب لم تعهده منذ انتهاء الحرب الباردة.

الخداع نوعان: خداع القوي وخداع الضعيف. أما خداع أميركا اليوم فخداع القوي- الضعيف أو الضعيف الذي ما زال يوهم الآخرين بأنه قويّ يخطط ويقود.


المصدر:

جريدة الموقف

تعليقات